محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

528

شرح حكمة الاشراق

خلافه ، ولا يمكن من جهة الكمّ والكيف ، على أنّ البوارق واللّوامع لا بدّ من ورودها في أوّل الأمر . والضّابط : أنّ أوّل ما يرد على أهل البدايا أنوار خاطفة لذيذة - وسمّوها الطّوالع واللّوائح - وهي كلمعة بارق سريعة الانطواء ، ثمّ يمعنون في الرّياضة إلى أن يكثر عليهم ورودها ، لملكة متمكّنة فيهم ؛ وقد يخرج ( 269 ) عن اختيارهم هجومها ، لازدياد الارتياض . ثمّ بعد ذلك تثبت الخواطف ، وعند ثباتها تسمّى السّكينة ، وعند التّوغّل في الرّياضة تصير ملكة . ثمّ بعد ذلك يحصل لهم قوّة عروج إلى الجناب الأعلى . وما دامت النّفس مبتهجة باللّذّات من حيث هي اللّذّات فهي بعد غير واصلة ، لأنّها إذا فرحت بما نالها من أثر الحقّ ، كان لها نظران ، نظر إلى الحقّ ابتهجت به ، ونظر إلى ذاتها المبتهجة بالحقّ ، فليست مقبلة بكلّيّتها على الحقّ ، فلا يكون قد حصل لها وصول تامّ حقيقىّ . وإذا غابت عن شعورها بذاتها وشعورها بلذّاتها ، فذلك الّذى سمّوه « الفناء » . وهذا لا ينافي ما ثبت ، من كون النّفس لا تغفل عن ذاتها ، وأنّ حقيقتها ، أنّها مدركة لذاتها ، وإن كان ظاهر اللّفظ يدلّ على منافاته له ، فإنّ المراد بالغيبة المذكورة أنّها لا تلحظ ذاتها إلّا من حيث هي منتقشة ولا حظة . والملاحظة الثّابتة ، قبل ، هي ملاحظة النّفس لذاتها ، لا من هذه الحيثيّة ، بل من حيث هي ملتذّة ومبتهجة بالحقّ . فإنّ ذلك وإن كان بسبب الحقّ فهو إعجاب من النّفس وتيه وتبجّح . والحالة الّتى يعبّر عنها العارفون « الفناء » هي أن لا يحسّ السّالك بشئ من ظواهر جوارحه ، ولا من الأشياء الدّاخلة فيه والخارجة عنه ، بل يغيب عن جميع ذلك ، ذاهبا إلى ربّه أوّلا ، ثم ذاهبا فيه آخرا ، متّحدا به على الوجه الّذى عرفته ، فإن خطر له في أثناء ذلك أنّه قد حصل له الفناء المذكور فهو شوب وكدورة ، بل كمال الفناء أن يفنى عن الفناء وقد يعرض مثل هذه الحالة بالإضافة إلى بعض محبوبات هذا العالم ، فيصير